بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
– معالي السيدة سارة الزعفراني الزنزري، رئيسة حكومة الجمهورية التونسيّة الشقيقة،
– السيدات والسادة الوزراء،
– السيدات والسادة المتعاملون الاقتصاديون ورواد الأعمال،
– السيدات والسادة أعضاء أسرة الإعلام،
– الحضور الكريم،
يطيب لي بداية أن أتوجّه بالشّكر الجزيل إلى أختي الفاضلة، معالي السيدة سارة الزعفراني الزنزري، رئيسة حكومة الجمهورية التونسية، ومن خلالها إلى كل الأشقاء في تونس، على حسن الاستقبال وكرم الضيافة، اللذين عهدناهما دائما من شعب شقيق،تجمعنا به أخوة وتضامن متجذّران، ومحطّات تاريخية مجيدة، وملاحم من التآزر والنّضال المشتركين، حينما امتزجت بالأمس دماء الشعبين الجزائري والتونسي في سبيل الانعتاق من نير الاستعمار.
إن انعقاد دورة المنتدى الاقتصادي الجزائري-التّونسي اليوم، الذي أتشرف بافتتاحه رُفقة معالي رئيسة الحكومة التونسية، يعتبر موعداً نقف فيه معاً على التّقدّم الّذي سجّله التّعاون الاقتصاديّ بين بلدينا منذ دورته السّابقة الّتي عُقدت بالجزائر، شهر جويلية 2023، وفرصةً للمؤسّسات الاقتصاديّة و رجال الأعمال من الجانبين، من أجل بحث الفرص الكبيرة والمتعددة للشراكة الثنائية، لاسيما في ضوء المستوى الاستثنائي من الانسجام و التّوافق الذي بلغته العلاقات الثنائية على المستوى السّياسي، والّذي تحقّق بفضل التوجيهات السديدة لقائديْ بلدينا الشّقيقين، رئيس الجمهورية السّيد عبد المجيد تبون، وأخيه فخامة الرئيس قيس سعيد، وعزمهما القوي، على إحداث نَقلة نوعية في التعاون الجزائري-التونسي في شتى مجالاته، والعمل على ترقيته إلى مستوى استراتيجي وفق مقاربة تشاركية وتكاملية.
معالي السيدة رئيسة الحكومة، السيّدات والسّادة،
لقد عرف مستوى التّعاون الاقتصادي بين بلدينا في السّنوات الأخيرة تقدّما يبعث على التّفاؤل، حيث بلغ حجم مبادلاتنا التجاريةالبينية خلال سنة 2024، أكثر من 2.3 مليار دولار بارتفاع يقدر بنسبة 12 % مقارنة بالسنة السابقة، لتصبح بذلك الشّقيقة تونس أحد أهم شركاء الجزائر التجاريين، من خلال التموين بالمنتجات نصف المصنعة من الفوسفات، والمواد الزجاجية، والمنتجات المصنوعة من الألمنيوم والمركبات والعربات والمقطورات، كما تحتل المرتبة التاسعة في قائمة زبائنها، خصوصا ما تعلّق بالغاز ومشتقات المواد البترولية والكهرباء، بالإضافة إلى السكر والمواد الغذائية والاسمنت والكلينكر.
أما بالنّسبة لقطاع الاستثمار، فقد سجلت الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار إلى غاية نهاية أكتوبر 2025، ستة وستين (66) مشروعاً استثمارياً بالجزائر، يشارك فيه متعاملون اقتصاديون تونسيون، بقيمة تقارب 353 مليون دولار. يستحوذ قطاع الصناعة فيها على نسبة 90%، خاصة في فروع في الصناعات الصيدلانية والكهربائية، في الوقت الّذي أحصى فيه المركز الجزائريّ للسجلّ التجاري إلى غاية نهاية 2023، قرابة سبع مائة وخمسين (750) مؤسسة تونسية تنشط في مجالات عديدة، وهو ما يمثل أكثر من 9%من إجمالي الشركات الأجنبية المتواجدة بالجزائر.
كلّ هذه المعطيات تستحق، التّثمين وتبعث على التفاؤل في ظل النمو المطرد والسريع لحجم ونوعية المبادلات والاستثمارات، ولكنّها تبقى دون الإمكانيات المتاحة في البلدين، ولا ترقى إلى مستوى الآفاق الواعدة التي تتيحها التغيرات الدولية المتسارعة.
إن هذا الواقع يفرض علينا كحكومتين ومجتمع أعمال، تسريع الخُطى واعتماد آليات ومناهج جديدة من شأنها إيجاد حلول عمليّة لضمان انْسِيَابِيَةٍ أكبر للسّلع والبضائع من الجانبين، وتحديد المزايا التّنافسيّة لاقتصادَيْنا، والتّركيز على كيفية الوصول إلى خلق التّكامل بينهما، وكذا العمل على مشاريع مشتركة في مختلف الميادين من أجل وضع أسس بُنًى تحتيّة مترابطة وبناء سلاسل إقليميّة للقيمة.
هذا، ويمكن إدراج هذه المشاريع والمبادرات في إطار التعاون الثلاثي بين الجزائر وتونس وليبيا، بما يتماشى مع ما تشتركُ فيه دُوَلُنَا الثلاث من اهتمامات ومقومات تكامل، تجسيدا للرؤية التي وضعها قادة الدول الثلاث في القمة التشاورية المنعقدة بتونس في 22 أفريل 2024، والتي يجري العمل حاليا على بلورة بعض المشاريع في إطارها، خاصة في مجالات الطاقة والنقل والمياه.
وأودّ في هذا المقام، أن أتوجّه إليكم، أنتم ممثلي المؤسسات الاقتصادية الحاضرة معنا، لأُحَيِّـي حضوركم القويّ وأدعوكم إلى المشاركة في هذا الجهد الذي يتعين علينا جميعا بذله للرفع من مستوى شراكتنا الاقتصادية.
إن هذا النداء الموجه إليكم يَنْبُع من إيماننا العميق بالدّور الّذي يمكن لروح المبادرة والمقاولاتية التي تُمَيِّزُكم أن تلعبه في هذا المسعى، ومن قناعتنا بإدراككم الواسع ووعيكم العميق بطبيعة الرهانات التي تُحيط بمنطقتنا في الوقت الحالي.
وأُشير هنا إلى أنّ التـعاون بين مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، الذي سيتدعم اليوم بالتوقيع على اتفاقية تعاون للمساهمة في تحفيز الشراكة بين البلدين، يمكن أن يشكل لبنة أساسيّة لتطوير التواصل والتفاعل وتبادل المعلومات وبناء الشراكات بين المؤسسات الاقتصادية الجزائرية والتونسية، خصوصاً عبر برمجة نشاطات منسقة تشمل تنظيم بعثات اقتصادية بين الجانبين والمشاركة الفعالة في المعارض والصالونات المنظمة في كلا البلدين، والعمل على تنظيم فعاليات اقتصادية مشتركة على المستوى الإفريقيّ.
كما أن الشراكات التي سيتم إبرامها اليوم بين متعاملين جزائريين وتونسيين في مجالات مختلفة، وهم مشكورون على ذلك، تعكس مدى حرصِنا المشترك على ترقية الشراكة الاقتصادية، وتُبرز إمكانيات وفُرص التعاون بين البلدين، التي يتعين استغلالها على النحو الذي يُمكِّن من توظيفها في خدمة أهداف الشراكة والتكامل والاندماج التي نصبو إليها جميعا.
معالي السيدة رئيسة الحكومة، وأختي الفاضلة،
أسْتَسْمِحُكُم الآن لأتوجه بكلمة صادقة إلى الإخوة رجال الأعمال التونسيين، وأدعوهم إلى استكشاف مقومات وفرص الاستثمار الكبيرة الّتي توفّرها الجزائر في مجالات عدّة، وأخصّ بالذّكر، على سبيل المثال لا الحصر، الصناعةبمختلف شُعبها، لاسيما قطع الغيار، وصناعات النسيج وتثمين الجلود، والطاقة، والسياحة، والفلاحة والصيد البحري، والطاقات المتجددة، والشركات الناشئة، والبناء الأشغال العمومية، والنقل وغيرها، سواء تعلّق الأمر بعدد المشاريع الّتي بالإمكان بعثُها وطنيّا، أو تلك التي تكتسي بعداً إقليمياً، بالنّظر للموارد المتاحة، البشرية كما الماديّة، أو المناخ القانوني والمؤسساتي التّحفيزي الّذي تم وضعه لفائدة المستثمرين.
وفي هذا الإطار، أغتنم هذه الفرصة لأستعرض، في عجالة، أهم الإصلاحات الاقتصادية التي بادر بها رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، وعلى رأسِها قانون الاستثمار لسنة 2022، والذي جاء بمزايا وتسهيلات وضمانات حقيقية لفائدة المستثمرين، يُدعّمها إطار مؤسساتي عصري ومُحيّن، يرمي إلى مرافقة المستثمرين وتوجيههم خلال جميع المراحل المتعلّقة بإنجاز وتنفيذ مشاريعهم، وأخصّ بالذّكر الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار التي تتمتع بصلاحيات واسعة، تؤهلها لتأدية دورها كمرافق ذي فعالية لحاملي المشاريع، وكذا الشّباك الوحيد الموجّه للاستثمارات المهيكلة والأجنبية، الّذي يسمح باقتصاد الوقت والجهد والمال.
ولقد أَعْقَبَ دخول قانون الاستثمار حيز التّنفيذ، إصدار سلسلة من القوانين القطاعيّة التي تهدف جميعها إلى وضع إطار شامل ومتكامل لجعل عمليّات الاستثمار في منتهى السّلاسة، على غرار تلك المتعلقة بالنقد والصرف، وبالصفقات العمومية، وبالعقار الاقتصادي وبالمناجم وغيرها.
معالي السيدة رئيسة الحكومة،
السيّدات والسّادة،
إنّ الرّوابط الإنسانيّة والتّاريخيّة والجغرافيّة بين بلدينا، تفرض علينا، جزائريين وتونسيين، أن نعمل جاهدين كي نجعل من حدودنا جسراًيربط بيننا ومحوراً لتنمية قدراتنا وتعزيز تواصلنا. وحتّى يتأتّى ذلك، علينا أوّلا أن نضع نُصْبَ أعيُنِنا دائماً أنّ علاقاتنا لم تكن يوما ولن تكون أبدا ظرفيّة، بل هي تجسيد لإرادة شعبين جارين، وضرورة تمليها الرّهانات الدّوليّة، ومسار حتميّ لبلدين يجمعهما الماضي والمصير المشترك.
في هذا السياق، ينبغي العمل على تفعيل الأفكار والمبادرات المطروحة لتنمية المناطق الحدودية، على غرار إقامة مشاريع اقتصادية على طول الشريط الحدودي، وكذا التشجيع على تكثيف التواصل وتبادل الخبرات بين رواد الأعمال الشباب في هذه المناطق، فضلا عن تنظيم تظاهرات اقتصادية بما يحقق المنفعة المتبادلة والمشتركة لبلدينا وشعبينا الشقيقين.
ختاما، وإذ أجدد شكري وامتناني لمعالي السيدة سارة الزعفراني الزنزري، رئيسة حكومة الجمهورية التونسية، على حسن الاستقبال وكرم الضيافة، آمل أن تساهم أشغال هذه التظاهرة الهامة في كتابة فصل جديد للشراكة الاقتصاديّة بين الجزائر وتونس، بما يخدم مصالحهما المشتركة ويجسّد الإرادة السياسية القوية التي تحذو قيادتيهما، ويحقق طموحات شعبيهما نحو المزيد من التكامل والرفاه المشترك.







