يُعتبر الحرس البلدي الجزائري من أبرز التشكيلات الأمنية التي لعبت دورًا بطوليًا ومحوريًا خلال العشرية السوداء، وهي الفترة الدامية التي عاشتها الجزائر في التسعينيات، عندما حاول الإرهاب المسلح ضرب استقرار الدولة ووحدتها الوطنية.
ففي تلك السنوات العصيبة، عندما كانت البلاد تواجه موجة عنف غير مسبوقة، وامتدت يد الإرهاب إلى القرى والمدن، كان لا بد من تعبئة وطنية شاملة للدفاع عن الجمهورية وحماية المواطنين. وهنا برز الحرس البلدي كقوة شعبية مساندة للجيش الوطني الشعبي وقوات الأمن، يجسد روح التضامن والوطنية في أسمى صورها.
تأسس الحرس البلدي بقرار من الدولة سنة 1994 تقريبًا، بهدف دعم القوات المسلحة في مكافحة الجماعات الإرهابية وحماية التجمعات السكانية والمناطق الريفية التي كانت عرضة لهجمات المجموعات المسلحة. وقد التحق بصفوفه آلاف المواطنين المتطوعين من أبناء الوطن، الذين لبّوا نداء الواجب دون تردد، واضعين أرواحهم فداءً للجزائر.
كان أفراد الحرس البلدي يتمتعون بمعرفة دقيقة بتضاريس مناطقهم، مما مكّنهم من رصد تحركات الإرهابيين وإحباط مخططاتهم، كما ساعدوا في حماية الطرقات والمنشآت العمومية، وتأمين القرى من الكمائن والمجازر، إلى جانب مرافقة قوافل التموين والجيش أثناء عملياته الميدانية.
وقد دفع الحرس البلدي ثمناً باهظًا من دمائهم في سبيل استقرار البلاد، إذ قدّموا آلاف الشهداء الذين واجهوا الإرهاب بشجاعة نادرة، رغم قلة الإمكانيات وخطورة المهام. كانت شجاعتهم مصدر إلهام للشعب الجزائري بأسره، ورمزًا للمقاومة الشعبية ضد قوى الظلام والتخريب.
كما ساهم وجود الحرس البلدي في استعادة الثقة بين الدولة والمواطن، حيث كان عنصرًا من الشعب، يعيش بين الناس ويشاركهم معاناتهم اليومية، فمثّل جسرًا بين السلطة والمجتمع المحلي. وبفضل تضحياته، تمكّنت الجزائر من الصمود وتجاوز تلك المرحلة الدامية، لتعود تدريجيًا إلى الأمن والاستقرار.
ورغم أن مهام الحرس البلدي انتهت رسميًا بعد تحسّن الوضع الأمني، إلا أن دوره التاريخي سيبقى خالدًا في ذاكرة الأمة، وشهادته على وفاء الجزائريين لوطنهم في أحلك الظروف. لقد أثبت هؤلاء الأبطال أن الدفاع عن الوطن ليس حكرًا على الجيش فحسب، بل هو واجب مقدّس ينهض به كل من يحب الجزائر بصدق.
وفي الختام، يمكن القول إن الحرس البلدي كان درعًا شعبيًا وسندًا وطنيًا في وجه الإرهاب، وجزءًا لا يتجزأ من ملحمة الدفاع عن الجزائر. ستظلّ تضحياتهم صفحة مشرّفة في تاريخ الوطن، تُروى للأجيال القادمة لتبقى الجزائر حرةً، شامخةً، لا تركع أبدًا أمام قوى الشر والدمار.







