من حركة “الماك” في الجزائر إلى قضايا الباسك وكاتالونيا وبريتاني في أوروبا
يُعدّ مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها من أكثر المبادئ إثارة للجدل في القانون الدولي والعلاقات الدولية، نظراً لتداخله مع مبدأ آخر لا يقل أهمية، هو مبدأ سيادة الدول ووحدة أراضيها. وبين هذين المبدأين تتكشف، في الممارسة الدولية، ازدواجية واضحة في المعايير، حيث يُوظَّف خطاب تقرير المصير أحياناً كأداة ضغط سياسي، بينما يُهمَّش أو يُقمع في حالات أخرى تخدم مصالح الدول الكبرى.
وفي هذا السياق، تثار في الجزائر تساؤلات مشروعة حول المواقف الفرنسية والأوروبية، بل وحتى مواقف بعض الدول الإقليمية، من قضية ما يُسمّى بـ“تقرير مصير منطقة القبائل”، في مقابل الصمت أو الرفض القاطع لأي طرح مماثل يخص أقاليم أوروبية مثل إقليم الباسك، كاتالونيا (برشلونة)، أو بريتاني.
أولاً: حركة “الماك” والسياق الجزائري
تُصنِّف الدولة الجزائرية حركة تقرير مصير القبائل (الماك) كتنظيم انفصالي إرهابي، على أساس:
تبنيها خطابًا يدعو إلى تفكيك وحدة الدولة الجزائرية.
تورطها – حسب السلطات الجزائرية – في التحريض على العنف وزعزعة الاستقرار.
ارتباط نشاطها بخطابات ومواقف خارجية معادية للجزائر.
وفي المقابل، تؤكد غالبية النخب السياسية والثقافية في منطقة القبائل، كما تؤكد قطاعات واسعة من الشعب القبائلي نفسه، أن:
القبائل جزء أصيل من الشعب الجزائري تاريخًا وهويةً ونضالاً.
المنطقة كانت من أكثر المناطق تضحية في ثورة التحرير وفي الدفاع عن الدولة الوطنية.
المطالب الحقيقية للساكنة هي التنمية، العدالة، والاعتراف الثقافي داخل إطار الدولة الواحدة، لا الانفصال.
ثانياً: فرنسا وأوروبا وخطاب “الانتقائية السياسية”
رغم رفع فرنسا والاتحاد الأوروبي لشعارات حقوق الإنسان والديمقراطية، إلا أن مواقفهم من قضايا تقرير المصير تكشف تناقضًا صارخًا:
1. إقليم الباسك (جنوب فرنسا)
شعب له لغة وهوية وتاريخ خاص.
عانى تاريخيًا من القمع الثقافي والسياسي.
لم تسمح فرنسا يومًا بطرح مسألة تقرير المصير:
لا في الأمم المتحدة
ولا داخل الاتحاد الأوروبي
أي نشاط انفصالي يُقابل بالقانون الجنائي والأمني.
2. كاتالونيا (برشلونة) – إسبانيا
عندما نظم الإقليم استفتاءً سلميًا سنة 2017:
تم قمعه بالقوة.
زُجّ بالقادة المنتخبين في السجون أو أُجبروا على المنفى.
الاتحاد الأوروبي:
رفض التدخل.
اعتبر القضية “شأنًا داخليًا إسبانيًا”.
3. إقليم بريتاني (شمال فرنسا)
هوية ولغة متميزة.
مطالب ثقافية وتاريخية.
لا يُسمح بطرح أي مسار سياسي لتقرير المصير.
السؤال الجوهري:
لماذا يُعتبر تقرير المصير في أوروبا “تهديدًا للأمن القومي”، بينما يُقدَّم في الجزائر أو دول الجنوب كـ“حق مشروع”؟
ثالثاً: توظيف تقرير المصير كأداة ضغط جيوسياسي
الواقع أن مبدأ تقرير المصير لم يعد يُطبَّق كقاعدة قانونية محايدة، بل كأداة سياسية تُستخدم:
للضغط على دول مستقلة غير منسجمة مع السياسات الغربية.
لإضعاف جيوش ومؤسسات دول قوية في محيطها الإقليمي.
لإعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية.
وفي هذا الإطار، تُفهم:
بعض المواقف الفرنسية العدائية تجاه الجزائر.
بعض التقاطعات السياسية بين أطراف إقليمية (مثل المغرب أو غيره) مع خطابات انفصالية معادية للدولة الجزائرية.
مع التنبيه: أن الدعم قد يكون سياسيًا أو إعلاميًا أو دبلوماسيًا غير مباشر، وليس بالضرورة اعترافًا قانونيًا صريحًا.
رابعاً: القبائل بين الحقيقة والادعاء
الادعاء بوجود “شعب قبائلي منفصل” يُناقض:
التاريخ الوطني الجزائري.
الدستور الجزائري الذي يعترف بالتعدد الثقافي ضمن الوحدة الوطنية.
الواقع الاجتماعي والسياسي، حيث يشارك أبناء القبائل في:
مؤسسات الدولة
الجيش
القضاء
الحياة السياسية
إن اختزال منطقة القبائل في حركة انفصالية هو:
إهانة لتاريخها النضالي.
تشويه لإرادة سكانها.
توظيف خارجي لمطالب داخلية مشروعة.
إن أخطر ما في خطاب “الدعم الانتقائي لتقرير المصير” ليس فقط تناقضه، بل تحويله إلى أداة لتفكيك الدول بدل حماية الشعوب.
فالجزائر، مثلها مثل فرنسا وإسبانيا، دولة ذات سيادة، ووحدتها الترابية ليست محل مساومة.
وإذا كانت بعض الدول تُصرّ على إعطاء الدروس في الديمقراطية، فإن أول امتحان لمصداقيتها هو:
احترام نفس المبادئ داخل حدودها.
الكفّ عن توظيف قضايا الأقليات كسلاح سياسي.
الإقرار بأن الشعب القبائلي شعب جزائري، وأن قوة الجزائر تكمن في تنوعها داخل وحدتها، لا في تقسيمها.







