Home الرأي و الرأي الأخر المؤثرون في شبكات التواصل الاجتماعي قراءة نقدية في انعكاسات الظاهرة على المجتمع...

المؤثرون في شبكات التواصل الاجتماعي قراءة نقدية في انعكاسات الظاهرة على المجتمع الجزائري

95
0

مقدمة

شهد العالم خلال العقدين الأخيرين بروز ظاهرة المؤثرين على شبكات التواصل الاجتماعي، وهي ظاهرة فرضت نفسها بقوة في مختلف البيئات الاجتماعية. وإذا كانت بعض التجارب قد أظهرت الوجه الإيجابي للمؤثرين في مجالات التثقيف، التعليم، نشر المعرفة، أو التحفيز على المبادرات المواطِنة، فإنّ السياق الجزائري أفرز – في جانب كبير منه – نماذج سلبية ساهمت في إعادة إنتاج التفاهة وتعميم أنماط سلوكية لا تنسجم مع قيم المجتمع ولا مع رهانات التنمية.

ومن هنا تبرز إشكالية أساسية: إلى أي مدى يمكن اعتبار المؤثرين الفاسدين تهديداً لبنية المجتمع الجزائري وقيمه الأخلاقية، وما هي الآليات الكفيلة بالحد من آثارهم السلبية؟

أولاً: صناعة الرموز الزائفة وتآكل المرجعيات التقليدية

تُظهر الدراسات السوسيولوجية أنّ المجتمعات المعاصرة باتت تشهد ما يُعرف بـ”القدوة الإعلامية” أو Media Role Model، حيث يتم تقديم شخصيات إعلامية أو رقمية على أنها نماذج للنجاح بغض النظر عن معايير الكفاءة أو القيمة الأخلاقية (Bourdieu, 1998).

في الحالة الجزائرية، ساهمت هذه الظاهرة في إضعاف سلطة المرجعيات التقليدية (المعلم، المثقف، رجل الدين المعتدل) لصالح شخصيات تفتقر إلى عمق معرفي أو التزام قيمي. هذه “القدوات الزائفة” تُنتج وعياً مشوّهاً وتُكرّس نمطاً استهلاكياً سطحياً.

ثانياً: التأثير على الفئات الشابة وبناء الوعي المشوَّه

تشير بحوث علم النفس الاجتماعي (Bandura, 1977) إلى أنّ المراهقين والشباب هم الأكثر قابلية للتأثر بالسلوكيات المعروضة عبر الإعلام، خصوصاً إذا كانت هذه السلوكيات محاطة بهالة من الشهرة والمكاسب المادية.

وعليه، فإنّ متابعة المؤثرين الفاسدين – الذين يُروّجون لمظاهر الثراء غير المبرّر أو السلوكيات المنحرفة – يؤدي إلى إعادة إنتاج قيم مضادة للجهد والاجتهاد العلمي، مما يخلق فجوة خطيرة بين طموحات الشباب وبين مقومات النجاح الحقيقي.

ثالثاً: انعكاسات الظاهرة على التنمية المجتمعية

لا يمكن لمجتمعٍ يضع رموزه في خانة التفاهة أن يسير نحو التطور. فبدل أن يتحول الفضاء الرقمي إلى مجال للنقاش العلمي والثقافي والإبداعي، يُصبح فضاءً لتعميم الرداءة. وهو ما يتقاطع مع ما يسميه نيل بوستمان (Postman, 1985) بـ”التسلية حتى الموت” (Amusing Ourselves to Death)، أي تحوّل وسائل الإعلام إلى أدوات لإفراغ العقول من التفكير النقدي، وهو ما ينعكس سلباً على كل مسارات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

رابعاً: مسؤولية الدولة والمجتمع في ضبط الفضاء الرقمي

تُشير التجارب المقارنة إلى أنّ مواجهة هذا الخطر لا تقتصر على الرقابة القانونية وحدها، وإنما تتطلب مقاربة شاملة تقوم على:

1. تشريع متوازن: يضع ضوابط أخلاقية وقانونية تحمي الفضاء الرقمي من الانحراف، دون المساس بحرية التعبير المكفولة دستورياً (المادة 54 من الدستور الجزائري 2020).

ط

2. تعزيز التربية الإعلامية: من خلال إدراج برامج مدرسية وجامعية تُنمّي مهارات التفكير النقدي والتمييز بين المحتوى الجاد والمحتوى المضلل.

ط

3. إبراز النماذج البديلة: عبر تمكين الباحثين والمثقفين ورواد الأعمال والمبدعين من حضور أقوى في الساحة الرقمية، ليكونوا مرجعية شبابية حقيقية.

خاتمة

إنّ تفشي ظاهرة المؤثرين الفاسدين في المجتمع الجزائري يشكل تحدياً خطيراً لبنية القيم ولرهانات التنمية. فالمجتمع الذي يُقَدِّم التفاهة في صورة القدوة يُقصي العلم والمعرفة والإبداع من مركزه القيمي. وعليه، فإنّ التصدي لهذه الظاهرة يستوجب رؤية استراتيجية متكاملة تُزاوج بين التشريع، التربية، ودعم البدائل الإيجابية. وبذلك وحده يمكن للجزائر أن تُحصّن شبابها، وتعيد الاعتبار للعلم والأخلاق، وتضع أسس مجتمع قادر على مواجهة تحديات المستقبل.

اترك ردا

Please enter your comment!
الرجاء إدخال اسمك هنا