يُعتبر دعم الإنتاج الوطني أحد الشعارات الأساسية التي تتبناها الدولة الجزائرية منذ سنوات، بهدف تعزيز السيادة الاقتصادية وتقليص التبعية للخارج. غير أن الواقع يكشف مفارقة واضحة: العديد من الشركات الوطنية، حتى الكبرى منها، لا تستطيع الاستمرار في نشاطها إلا بالاعتماد على قطع غيار أو مواد أولية مستوردة. هذه المفارقة تطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى الخطط الاقتصادية، ومدى قدرتها على تحقيق الاستقلال الصناعي الحقيقي.
جذور الإشكالية
يرجع سبب هذه التبعية إلى عوامل تاريخية وبنيوية، من أبرزها:
1. غياب صناعة تحويلية قوية: إذ تركز الاقتصاد الوطني لفترة طويلة على تصدير المواد الخام (النفط والغاز) بدل تطوير صناعات قادرة على إنتاج المكوّنات.
2. ضعف البحث والتطوير: لم يُمنح الابتكار التكنولوجي الدعم الكافي، ما جعل الشركات المحلية عاجزة عن إنتاج عتاد أو قطع غيار متطورة.
3. غياب شبكة صناعية متكاملة: فالشركة الجزائرية قد تصنع المنتج النهائي، لكنها تظل رهينة لاستيراد الأجزاء الدقيقة أو التكنولوجيا اللازمة لتشغيله.
انعكاسات هذه الوضعية
اقتصاد هش: كل اضطراب في الأسواق العالمية أو في سلاسل التوريد ينعكس مباشرة على الإنتاج الوطني.
عجز في الميزان التجاري: ارتفاع فاتورة الاستيراد يستهلك جزءاً كبيراً من مداخيل البلاد بالعملة الصعبة.
فقدان الثقة في المنتج المحلي: إذ يرى المستهلك أن “الدعم” لا يعني الاكتفاء الذاتي، بل أحياناً تغليف منتوج يعتمد كلياً على الخارج بملصق وطني.
سبل الخروج من التبعية
حتى يتحقق دعم حقيقي للإنتاج الوطني، ينبغي التفكير في إصلاحات عملية، أهمها:
1. بناء قاعدة صناعية متكاملة: عبر تشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على إنتاج المواد والقطع البسيطة محلياً، لتغذية الصناعات الكبرى.
2. نقل التكنولوجيا: التفاوض مع الشركاء الأجانب على أساس تصنيع محلي تدريجي، بدل الاعتماد الدائم على الاستيراد.
3. تحفيز البحث العلمي: ربط الجامعات ومخابر البحث بمتطلبات السوق الوطنية، ودعم الابتكار الصناعي بالتمويل والتشجيع.
4. تشجيع الاستثمار الوطني: من خلال تسهيل الإجراءات، وتقديم امتيازات للمستثمرين الذين يساهمون في إنتاج المكوّنات محلياً.
إن دعم المنتوج الوطني لا يجب أن يظل مجرد شعار، بل ينبغي أن يتحول إلى مشروع استراتيجي متكامل، يبدأ من القاعدة الصناعية والتكنولوجية. فالاعتماد على الاستيراد في القطع الأساسية يفرغ فكرة “الإنتاج الوطني” من محتواها، ويجعلها عرضة للانتقاد وفقدان المصداقية. الجزائر بما تملكه من طاقات بشرية وموارد طبيعية قادرة على تقليص هذه التبعية، شرط أن تتبنى رؤية اقتصادية بعيدة المدى، قائمة على العمل الجاد والتخطيط العلمي.







