مشروع قانون المالية 2026 يمنح الحكومة صلاحيات أوسع في استغلال موارد القطاع العمومي
تتضمّن أحكام مشروع قانون المالية لسنة 2026 تدابير جديدة تمنح الحكومة هامشًا أوسع في استعمال أموال المؤسسات العمومية المملوكة للدولة، إلى جانب تسهيل حصولها على تمويل مباشر من بنك الجزائر.
هذه الإجراءات أثارت تحفّظات واسعة في أوساط النواب والخبراء الاقتصاديين، الذين حذروا من انعكاساتها على استقلالية القرار المالي وعلى استقرار الاقتصاد الوطني.
اقتطاع من أموال المؤسسات العمومية دون موافقات مسبقة
تنص المادة 147 من مشروع القانون على تمكين الحكومة من اقتطاع جزء من أموال المؤسسات العمومية ذات الطابع الصناعي والتجاري، دون انتظار الحصيلة السنوية أو الحصول على موافقات مسبقة من إداراتها.
ويُنظر إلى هذا الإجراء على أنه دليل على محدودية الخيارات المتاحة أمام الحكومة لمواجهة العجز المتزايد في الميزانية، في ظل الضغوط الاجتماعية وتمويل مشاريع البنية التحتية، إضافة إلى صعوبة التحكم في السوق الموازية التي تُفقد الخزينة موارد هامة.
الاستدانة الخارجية… خيار مرفوض سياسياً
ورغم اتساع العجز المالي، ترفض الحكومة الجزائرية اللجوء إلى الاستدانة الخارجية، متمسكةً بمبدأ الحفاظ على استقلال القرار السياسي والاقتصادي.
ويرى أصحاب القرار أن الاقتراض من المؤسسات المالية الدولية قد يعيد تجربة التسعينيات، عندما فرض صندوق النقد الدولي إصلاحات هيكلية أفضت إلى إغلاق مؤسسات وتسريح آلاف العمال.
تبرير رسمي: تعبئة الموارد وتعزيز الحكامة
من جهتها، برّرت وزارة المالية المقترح بضرورة تعبئة الموارد لدعم الاستثمار العمومي وتعزيز حكامة التسيير المالي للمؤسسات العمومية، في سياق يتّسم بـ تزايد القيود الميزانياتية وندرة الموارد.
وأكدت أن العديد من المؤسسات العمومية تمتلك هوامش مالية غير مستغلة بفعالية، وغالبًا ما تُوجّه نحو نفقات تسيير مفرطة أو استثمارات غير استراتيجية.
وترى الحكومة أن هذا الإجراء من شأنه ترشيد النفقات ودفع المؤسسات إلى تخطيط أفضل لاستخدام مواردها بما ينسجم مع المعايير الدولية للأداء المالي.
المادة 150: تمويل مباشر من بنك الجزائر يثير الجدل
أكبر الجدل أثارته المادة 150 من المشروع، التي تعدّل المادة 48 من القانون النقدي والمصرفي، إذ تسمح بـ:
- رفع الحد الأقصى للتسبيق الذي يمنحه بنك الجزائر للخزينة من 10% إلى 20% من الموارد الميزانياتية.
- تمديد مدة التسبيق من 240 يومًا إلى سنة كاملة، مع إمكانية التمديد لسنة إضافية.
- إلغاء شرط إعلان أزمة مالية للاستفادة من هذا التمويل.
ويرى الخبراء أن هذه الخطوة تعني عودة غير مباشرة لتمويل العجز عبر إصدار النقود، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة الكتلة النقدية دون نمو في الإنتاج، وبالتالي ارتفاع التضخم وتدهور القدرة الشرائية، فضلًا عن المساس باستقلالية بنك الجزائر الذي قد يتحول من سلطة نقدية مستقلة إلى أداة تمويل مباشر للحكومة.
تحفظات قانونية وتشريعية
يثير المشروع أيضًا تساؤلات قانونية حول مدى تطابق هذه الإجراءات مع المادة التاسعة من القانون العضوي لقوانين المالية، التي تمنع إدراج أحكام خارجة عن نطاق الميزانية والإيرادات والنفقات العامة.
ويرى أعضاء في اللجنة المالية بالمجلس الشعبي الوطني أن الإطار الأنسب للمادة 150 هو القانون النقدي والمصرفي، مع إمكانية إحالة أحكامها على قانون المالية فقط عند تحديد سقف التسبيقات أو شروط استعمالها.
نواب يحذرون من “تحميل الأجيال المقبلة ديوناً مكلفة”
أبدى عدد من النواب نيتهم اقتراح تعديلات لتقليص صلاحيات الحكومة المالية، محذرين من الاعتماد المفرط على حلول سهلة ومكلفة ستنعكس سلبًا على الاقتصاد المحلي والأجيال القادمة.
غير أن هذه المساعي تواجه ممانعة قوية من السلطة التنفيذية، التي تسعى إلى تمرير مشروعها المالي مستفيدة من صمت بعض النواب الذين يتجنبون الدخول في مواجهة مع الحكومة، خصوصًا عشية انتخابات الإعادة المقررة في الثلاثي الأول من السنة المقبلة.







